القرطبي

59

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : قوله عليه السلام " خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد " يدل على صحته ، ومما يبين لك ذلك أن أصحاب القراءات من أهل الحجاز والشام والعراق كل منهم عزا قراءته التي اختارها إلى رجل من الصحابة قرأها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يستثن من جملة القرآن شيئا ، فأسند عاصم قراءته إلى علي وابن مسعود ، وأسند ابن كثير قراءته إلى أبي ، وكذلك أبو عمرو بن العلاء أسند قراءته إلى أبي ، وأما عبد الله بن عامر فإنه أسند قراءته إلى عثمان وهؤلاء كلهم يقولون : قرأنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسانيد هذه القراءات متصلة ورجالها ثقات . قاله الخطابي . باب ما جاء في ترتيب سور القرآن وآياته ، وشكله ونقطه ، وتحزيبه وتعشيره ، وعدد حروفه وأجزائه وكلماته وآية قال ابن الطيب : إن قال قائل قد اختلف السلف في ترتيب سور القرآن ، فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها ، وقدم المكي على المدني ، ومنهم من جعل في أول مصحفه الحمد ، ومنهم من جعل في أوله : " اقرأ باسم ربك " وهذا أول مصحف علي رضي الله عنه . وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله " مالك يوم الدين " ثم البقرة ثم النساء ، على ترتيب مختلف . ومصحف أبي كان أوله : الحمد لله ، ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة ، ثم كذلك على اختلاف شديد . قال القاضي أبو بكر بن الطيب : فالجواب أنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة . وذكر ذلك مكي رحمه الله في تفسير سورة " براءة " وذكر أن ترتيب الآيات في السور ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما لم يأمر بذلك في أول سورة " براءة " تركت بلا بسملة ، هذا أصح ما قيل في ذلك ، وسيأتي ( 1 ) . وذكر ابن وهب في جامعه قال : سمعت سليمان بن بلال يقول سمعت ربيعة يسأل : لم قدمت البقرة وآل عمران ، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة وإنما نزلتا بالمدينة ؟ فقال

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 61 .